الشيخ محمد الصادقي الطهراني

252

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عسرا ، ولو كان نسيانه محظورا لكانت المؤاخذة عليه حقا في ظاهر الشرع ، فلما ذا ينهاه موسى عن مؤاخذة وإرهاق وليس لينهى إلّا حسب الشرع ، كما لم يصبر حسب الشرع ! وترى « أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ . . » لم تكن فرية على الخضر وحكما على أمره بإمره ، ومجال الاحتمال لحلية أمره واقع حيث التنبيه المسبق « إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . . فَلا تَسْئَلْنِي . . » ؟ الجواب انه سؤال استفهام وليس حكما ، ولم تكن المؤاخذة « أَ لَمْ أَقُلْ . . » إلّا على سؤاله لا فريته ، و « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً » حكم على فرض عدم الجواب المقنع ، أو حكم بظاهر الشرع دون باطنه فلا محظور فيه ، وقد أعذره الخضر ! فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 ) . « فانطلقا » انطلاقة ثانية في مواصلة الرحلة المدرسية ، انطلق موسى تخليا وتخلصا عن وثاق الوعد : النسيان الاعتراض في سؤال التنديد ، وانطلق الخضر عن المؤاخذة بما نسي موسى عليه السلام إرهاقه العسر « حتى إذا » وقعا في وثاق ثان « لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ » : قتله فور لقاءه دون حوار ، وحسب الظاهر دون معرفة مسبقة عن حاله ، وهذا أمر وأدهى من خرق السفينة « 1 » فإنه يخلّف الغرق وقد يمنعه مانع من سدّ الخرق كما فعل ، ولكنما القتل واقع لا يجبر بشيء ، فانبرى موسى نبرة أشد من الأولى ناسيا وعده هنا وكان أحرى إذ يرى نكرا بعد ما رأى إمرا « قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ

--> ( 1 ) . الدر المنثور في حديث رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ) عن القصة ثم خرجا من‌السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذا ابصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى . . . وهذه أشد من الأولى .